فصل: بَابُ اللِّعَانِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (نسخة منقحة)



.بَابُ اللِّعَانِ:

قَالَ: (إذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ) وَالْأَصْلُ: أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ} وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْجِنْسِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ} نَصَّ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، فَقُلْنَا الرُّكْنُ هُوَ الشَّهَادَةُ الْمُؤَكَّدَةُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ قَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهِ بِاللَّعْنِ لَوْ كَانَ كَاذِبًا وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا، لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْصَانِهَا، وَيَجِبُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى وَلَدَهَا صَارَ قَاذِفًا لَهَا ظَاهِرًا، وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ مِنْ شُبْهَةٍ كَمَا إذَا نَفَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِهِ فَنَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَذْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُلْحَقُ بِهِ، وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا، لِأَنَّهُ حَقُّهَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ)، لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ (وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ) لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي (فَإِنْ امْتَنَعَتْ حَبَسَهَا الْحَاكِمُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ)، لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إيفَائِهِ فَتُحْبَسُ فِيهِ.
الشرح:
بَابُ اللِّعَانِ:
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ)، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ، فَيُصَارُ إلَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةُ وَاللِّعَانُ خُلْفٌ عَنْهُ.
(وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَمَةٌ كَافِرَةٌ أَوْ مَحْدُودَةٌ فِي قَذْفٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) بِأَنْ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ زَانِيَةً، (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ) لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، وَعَدَمِ الْإِحْصَانِ فِي جَانِبِهَا وَامْتِنَاعِ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْقُطُ الْحَدُّ كَمَا إذَا صَدَّقَتْهُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ» وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ مِنْ جِهَتِهِ إذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّة تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوك».
قُلْت: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ مِنْ النِّسَاءِ لَا مُلَاعَنَةَ بَيْنَهُمْ: النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْيَهُودِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ»، انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وَقَالَ: عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: «أَرْبَعَةٌ لَيْسَ بَيْنَهُمْ لِعَانٌ: لَيْسَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْأَمَةِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْعَبْدِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْيَهُودِيَّةِ لِعَانٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ لِعَانٌ»، انْتَهَى.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَالْوَقَّاصِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، قَالَ: وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ جِدًّا، وَتَابَعَهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَرَوَى عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُمَا إمَامَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَوْلَهُ: وَلَمْ يَرْفَعَاهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ مَوْقُوفًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَطَرٍ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيد: أَنْ لَا لِعَانَ بَيْنَ أَرْبَعٍ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: وَعَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ، وَحَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، وَزَيْدُ بْنُ رُفَيْعٍ ضُعَفَاءُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ الرَّمْلِيُّ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ لَا مُلَاعَنَةَ بَيْنَهُمْ: النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ»، إلَى آخِرِهِ، قَالَ: وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ مَعْرُوفٌ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ، وَابْنُهُ عُثْمَانُ، وَابْنُ زُرَيْعٍ ضَعِيفَانِ، وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَرَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ، وَحَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، وَزَيْدُ بْنُ رُفَيْعٍ ضُعَفَاءُ، وَرَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَهُمَا إمَامَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَوْقُوفًا، وَفِي ثُبُوتِهِ مَوْقُوفًا أَيْضًا نَظَرٌ، فَإِنَّ رَاوِيَهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ عَمْرُو بْنُ هَارُونَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَحْتَجُّ بِرِوَايَاتِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ إذَا كَانَ الرَّاوِي عَنْهُ ثِقَةً، وَانْضَمَّ إلَيْهِ مَا يُؤَكِّدُهُ وَلَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْحَدِيثِ طَرِيقًا صَحِيحًا إلَى عَمْرٍو، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
(وَصِفَةُ اللِّعَانِ: أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، يُشِيرُ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ النَّصِّ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِلَفْظَةِ الْمُوَاجَهَةِ يَقُولُ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ الزِّنَا، لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلِاحْتِمَالِ وَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَفْظَةَ الْمُغَايَبَةِ إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهَا الْإِشَارَةُ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ.
قَالَ: (وَإِذَا الْتَعَنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا).
وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا، لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ.
وَلَنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ: «قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ أَمْسَكْتُهَا، فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ».
الشرح:
قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَلَاعُنِهِمَا، لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ: «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا»، وَسَيَأْتِي، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ: «كَذَبْتُ عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا».
قُلْت: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيُّ جَاءَ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَاصِمُ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ الَّتِي سَأَلْته عَنْهَا، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك، وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنًا، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا عُوَيْمِرٌ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ»، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ فِيهِ: «فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَا صُنِعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةً، قَالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا»، انْتَهَى.
وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِاللِّعَانِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا، وَأُلْحِقَ الْوَلَدُ بِأُمِّهِ»، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَفْرِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَائِدَةٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ، وَعُوَيْمِرٌ حِينَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ، فَصَارَ كَمَنْ شَرَطَ الضَّمَانَ فِي السَّلَفِ، وَهُوَ يَلْزَمُهُ، شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَتَفْرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَفْرِيقُ حُكْمٍ لَا لِفُرْقَةِ الزَّوْجِ، وَقَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ: «فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ»، أَيْ الْفُرْقَةُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلِعَانِهِ، قَالَ: «وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ قُوتٌ، وَلَا سُكْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا»، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا»، لَيْسَ مَعْنَاهُ الْفِرْقَةَ، وَلَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَهْرِ، وَلِهَذَا فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَك، إنْ كُنْت صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَك مِنْهَا»، انْتَهَى كَلَامُهُ.
(وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ)، لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْعِنِّينِ.
(وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ) عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ رُجُوعٌ وَالشَّهَادَةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَا حُكْمَ لَهَا، وَلَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ التَّلَاعُنُ وَلَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْإِكْذَابِ فَيَجْتَمِعَانِ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا».
قُلْت: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ، وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: «فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَهْلٌ: حَضَرْت هَذَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا»، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ أَبِي الْمَغْرَاءِ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُتَلَاعِنَانِ إذَا تَفَرَّقَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا»، انْتَهَى.
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْمُتَلَاعِنَانِ أَبَدًا»، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ هُوَ، أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُمَا. انْتَهَى.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَرْوِيَاهُ مَرْفُوعًا أَصْلًا.
(وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ نَفَى الْقَاضِي نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ: أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ وَكَذَا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ.
(وَلَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَنَفَى الْوَلَدَ ذَكَرَ فِي اللِّعَانِ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ يَنْفِي الْقَاضِي نَسَبَ الْوَلَدِ وَيُلْحِقُهُ بِأُمِّهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ هِلَالٍ وَأَلْحَقَهُ بِهَا» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ مَقْصُودَهُ فَيَتَضَمَّنُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: قَدْ أَلْزَمْتُهُ أُمَّهُ وَأَخْرَجْتُهُ مِنْ نَسَبِ الْأَبِ، لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: رُوِيَ: «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ هِلَالٍ، وَأَلْحَقَهُ بِهَا».
قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً، فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَرَأَى بِعَيْنِهِ، وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ، فَلَمْ يُهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ إلَى أَهْلِي عِشَاءً، فَرَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ، فَبَعَثَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأُتِيَ بِامْرَأَتِهِ، فَوَعَظَهُمَا وَذَكَّرَهُمَا، ثُمَّ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا، إلَى أَنْ قَالَ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تَرْمِي، وَلَا يَرْمِي وَلَدَهَا، وَمَنْ رَمَاهَا، أَوْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَكَانَ وَلَدُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، وَلَا يُدْعَى لِأَبٍ»، مُخْتَصَرٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ رَوَى عَنْ ابْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَشْيَاءَ رُبَّمَا نَسِيَهَا، فَجَعَلَهَا عَنْ عِكْرِمَةَ، انْتَهَى.
وَقَالَ السَّاجِيُّ: ضَعِيفٌ مُدَلِّسٌ، وَكَانَ يُنْسَبُ إلَى الْقَدَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ضَعِيفٌ قَدَرِيٌّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ قَدَرِيًّا دَاعِيَةً إلَى الْقَدَرِ، وَكُلُّ مَا رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ دَاوُد، فَدَلَّسَهَا عَلَى عِكْرِمَةَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ وَثَّقَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: كَانَ ضَعِيفَ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ: «فَرَأَيْت بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ كَانَ لِرَمْيِهَا بِالزِّنَا لَا بِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ: وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَعْنِي زَوْجَ الْمَرْأَةِ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبْطَ الشَّعْرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا، كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ بَيِّنِ، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِاَلَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا»، وَفِي هَذَا أَنَّ اللِّعَانَ كَانَ بَعْدَ الْوَضْعِ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَق الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ»، انْتَهَى.
(فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَّهُ الْقَاضِي) لِإِقْرَارِهِ بِوُجُودِ الْحَدِّ عَلَيْهِ (وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) وَهَذَا عِنْدَهُمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ، فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ الْمَنُوطُ بِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا.
(وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا)، لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ.
(وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ)، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرِيحِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا، لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِهَا.
(وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ: لَيْسَ حَمْلُكِ مِنِّي فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِقِيَامِ الْحَمْلِ فَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: اللِّعَانُ يَجِبُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا الْحَمْلَ عِنْدَهُ فَيَتَحَقَّقُ الْقَذْفُ، قُلْنَا: إذَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ بِكِ حَمْلٌ فَلَيْسَ مِنِّي وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ.
(فَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْتِ وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا تَلَاعَنَا) لِوُجُودِ الْقَذْفِ حَيْثُ ذَكَرَ الزِّنَا صَرِيحًا (وَلَمْ يَنْفِ الْقَاضِي الْحَمْلَ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَنْفِيهِ: «لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ هِلَالٍ وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا».
وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ، لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: رُوِيَ: «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ هِلَالٍ، وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا».
قُلْت: رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ فِي حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ الْمُتَقَدِّمِ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد ثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}، إلَى أَنْ قَالَ: فَجَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ، وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِامْرَأَتِهِ، فَوَعَظَهُمَا وَذَكَّرَهُمَا، ثُمَّ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ قُوتٌ، وَلَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، فَكَانَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِلْأَبِ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، فَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا جُلِدَ الْحَدَّ، قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ: فَحَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّهُ رَأَى هَذَا الْغُلَامَ أَمِيرَ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ، يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهَا، لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ»، مُخْتَصَرٌ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، لَيْسَ فِيهِ: فَأَنْكَرَهُ، وَلَفْظُهُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: «أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيُّ جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ فِيك، وَفِي امْرَأَتِك، قَالَ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَا مِنْ التَّلَاعُنِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ، وَكَانَتْ حَامِلًا، فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ»، انْتَهَى.
زَادَ مُسْلِمٌ: «قَالَ سَهْلٌ: وَكَانَتْ حَامِلًا، فَكَانَ ابْنُهَا يُنْسَبُ إلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا، وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا»، الْحَدِيثُ.
وَقَوْلُهُ: فَكَانَ ابْنُهَا، إلَى آخِرِهِ، هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيُّ وَامْرَأَتِهِ، وَكَانَتْ حُبْلَى، وَقَالَ زَوْجُهَا: مَا قَرَبْتُهَا مُنْذُ عَفَارِ النَّخْلِ، وَعَفَارُ النَّخْلِ: أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُسْقَى بَعْدَ الْإِبَارِ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَكْرُوهِ»، إلَى آخِرِهِ.
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فِي تَرْجَمَةِ عُوَيْمِرٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: «شَهِدْتُ عُوَيْمِرَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَجْلَانِيُّ، وَقَدْ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ، وَأَنْكَرَ حَمْلَهَا، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَرَأَيْتُهُمَا يَتَلَاعَنَانِ قَائِمَيْنِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ وَلَدَتْ، فَأُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالْمَرْأَةِ، وَجَاءَتْ بِهِ أَشْبَهَ النَّاسِ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ، وَكَانَ عُوَيْمِرٌ قَدْ لَامَهُ قَوْمُهُ، وَقَالُوا: امْرَأَةٌ لَا نَعْلَمُ عَلَيْهَا إلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا جَاءَ الشَّبَهُ بِشَرِيكٍ عَذَرُوهُ، وَعَاشَ الْمَوْلُودُ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، وَعَاشَتْ أُمُّهُ بَعْدَهُ يَسِيرًا، وَصَارَ شَرِيكٌ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ بِحَالٍ سُوءٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ أَحْدَثَ تَوْبَةً»، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي غَيْرُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ: «أَنَّ عُوَيْمِرًا قَالَ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَرَبْتُهَا مُنْذُ عَفَارِ النَّخْلِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ، وَقَالَ: اُنْظُرُوا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا، فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا، فَهُوَ لِلَّذِي تُتَّهَمُ بِهِ، فَأَتَتْ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَكْرُوهِ، فَأَلْحَقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ، وَقَالَ: لَا يُدْعَى لِأَبٍ، وَلَكِنْ يُدْعَى لِأُمِّهِ، وَمَنْ رَمَاهُ، أَوْ رَمَى أُمَّهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَنَّهُ لَا قُوتَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا سُكْنَى، وَلَا عِدَّةَ، وَلَمْ يَجْلِدْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُوَيْمِرًا فِي قَذْفِهِ شَرِيكَ ابْنَ السَّحْمَاءِ، وَشَهِدَ عُوَيْمِرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَشَرِيكُ ابْنُ السَّحْمَاءِ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، انْتَهَى.
وَفِي هَذَا أَنَّ الْوَلَدَ عَاشَ سَنَتَيْنِ، وَفِي خَبَرِ هِلَالٍ أَنَّهُ عَاشَ حَتَّى صَارَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّعَارُضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْمُصَنِّفُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا تَلَاعَنَا عَلَى نَفْيِ الْحَمْلِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْفِيهِ، وَعِنْدَنَا لَا يَنْفِيهِ، وَاسْتَدَلَّ بِاَلَّذِي قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُمَا إذَا تَلَاعَنَا عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يُنْفَى قَوْلًا وَاحِدًا.
(وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تُقْبَلُ التَّهْنِئَةُ وَتُبْتَاعُ آلَةُ الْوِلَادَةِ صَحَّ نَفْيُهُ وَلَاعَنَ بِهِ وَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَاعَنَ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ)، لِأَنَّ النَّفْيَ يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِمُدَّةِ النِّفَاسِ، لِأَنَّهُ أَثَرُ الْوِلَادَةِ، وَلَهُ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ، لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَبُولُهُ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ أَوْ ابْتِيَاعِهِ مَتَاعَ الْوِلَادَةِ أَوْ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ، ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنَفَى الْأَوَّلَ وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا)، لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (وَحُدَّ الزَّوْجُ)، لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِدَعْوَى الثَّانِي (وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا) لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَاعَنَ)، لِأَنَّهُ قَاذِفٌ بِنَفْيِ الثَّانِي وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ، ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ كَذَا هَذَا.